الاقتصاد الموسمي للأعياد الدينية.. هل يُمكن تحويل الانتعاش المؤقت إلى نمو مستدام؟

الاقتصاد الموسمي للأعياد الدينية.. هل يُمكن تحويل الانتعاش المؤقت إلى نمو مستدام؟
مؤشر النمو الاقتصادي

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تبرز الأعياد الدينية بوصفها مناسبات استثنائية تحمل في طياتها أبعادًا اقتصادية لا يمكن إغفالها. 

ورغم أن هذه المواسم توفر دفعة قوية لبعض القطاعات الاقتصادية، فإنها تظل ذات طبيعة موسمية لا ترتقي إلى مستوى تحقيق ازدهار اقتصادي شامل ومستدام، فهم هذا التوازن بين التأثير الإيجابي المحدود والتحديات الهيكلية للاقتصاد الموسمي أصبح أمرًا ضروريًا للباحثين وصناع القرار على حد سواء، خصوصًا في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الدخل المرتبط بالمناسبات الدينية.

تشير بيانات البنك الدولي لعام 2023 إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت تباطؤًا في النمو الاقتصادي إلى 1.9% مقارنة بـ6% في عام 2022، ما يعكس تأثير التحديات الاقتصادية المستمرة على المنطقة.

تُشكل الأعياد الدينية فرصة لتنشيط بعض القطاعات مثل السياحة والتجزئة والصناعات الغذائية، لكنها لا تخلق تحولًا اقتصاديًا طويل الأمد يمكنه معالجة المشكلات الجوهرية مثل البطالة والفجوات الاستثمارية.

السياحة الدينية وتأثيرها على الاقتصاد

تُعد السياحة الدينية من أبرز القطاعات التي تزدهر خلال الأعياد، حيث تتحول المدن المقدسة إلى مراكز جذب تستقبل ملايين الزوار، ففي المملكة العربية السعودية، يُشكل موسم الحج والعمرة ركيزة أساسية للاقتصاد، حيث يسهم بما يقارب 12 مليار دولار سنويًا، وفقًا لتقرير نشرته "Statista" عام 2023. ورغم أهمية هذا الرقم فإن مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 7.2%، وفقًا لتوقعات المجلس العالمي للسفر والسياحة لعام 2023.

لكن أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد القائم على السياحة الدينية هو موسميته، إذ يعتمد على تدفق الحجاج خلال فترات معينة من العام وهذا ما يؤدي إلى توظيف مؤقت للعاملين في هذا القطاع، ما يجعل فرص العمل غير مستقرة، وهو ما تؤكده دراسة أجرتها جامعة الملك عبد العزيز عام 2023، التي أظهرت أن 68% من العاملين في القطاع السياحي الديني يتم توظيفهم بشكل مؤقت فقط خلال موسم الحج.

أسواق الأعياد ومحدودية الاستدامة الاقتصادية

تُعد الأسواق التي تزدهر خلال الأعياد منصات حيوية لتعزيز النشاط التجاري، حيث يزداد الطلب على المنتجات الاستهلاكية والهدايا والمستلزمات الدينية في الإمارات العربية المتحدة، وتُشير التحليلات إلى أن مبيعات التجزئة المرتبطة بشهر رمضان قد تصل إلى 10 مليارات دولار في 2025. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام رغم ضخامتها لا تعني وجود استدامة اقتصادية، بل تعكس دورة استهلاكية محدودة بزمن الموسم نفسه.

وفي مصر، تشهد الأسواق الشعبية والمولات الكبرى ارتفاعًا في المبيعات خلال الأعياد، إذ تُشير بيانات الغرفة التجارية بالقاهرة لعام 2023 إلى أن حجم الإنفاق الأسري يرتفع بنسبة 40% خلال شهر رمضان والأعياد، مقارنة بالأشهر الأخرى، لكن هذه الطفرة تظل مؤقتة، حيث يعود السوق إلى مستوياته الاعتيادية بمجرد انتهاء الموسم، وهو ما يُبرز إشكالية عدم استدامة هذا النمو في الناتج المحلي الإجمالي.

الصناعات الغذائية بين التقاليد والاقتصاد المؤقت

تلعب الصناعات الغذائية دورًا محوريًا في اقتصاد الأعياد، حيث يرتبط كل عيد بأنواع معينة من الأطعمة التقليدية التي تزداد عليها معدلات الطلب خلال الموسم، ففي مصر تُشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2023 إلى أن صناعة الكعك والفطائر الخاصة بالأعياد توظف أكثر من 500 ألف شخص موسمياً، مع مبيعات تتجاوز 7 مليارات جنيه، وعلى الرغم من أن هذه الصناعة توفر فرص عمل مؤقتة فإنها لا تحقق استدامة حقيقية نظرًا لاعتمادها على الطلب الموسمي.

أما في الخليج فإن سوق الحلويات التقليدية يشهد نموًا متسارعًا خلال الأعياد، وفقًا لغرفة تجارة دبي فإن المبيعات المرتبطة برمضان والعيد تصل إلى 3.2 مليار درهم، مع نمو سنوي يُقدَّر بـ12%، وهذا الارتفاع يُظهر أن قطاع الصناعات الغذائية قادر على تحقيق أرباح كبيرة خلال الأعياد، لكنه يظل هشًا أمام التقلبات الاقتصادية، إذ تنخفض مبيعاته بشكل حاد بمجرد انتهاء الموسم.

التجارة الإلكترونية والأعياد.. فرصة نمو ولكن؟

مع التطور الرقمي وانتشار التجارة الإلكترونية، أصبح للأعياد تأثير قوي على نمو المتاجر الإلكترونية التي تستفيد من الإقبال الموسمي المتزايد في السعودية، وتشير بيانات وزارة التجارة لعام 2023 إلى أن منصة "سوق العيد" الإلكترونية حققت مبيعات تجاوزت 400 مليون ريال خلال عيد الفطر، وهذا النجاح الرقمي يُظهر أن هناك مجالًا لتحويل الطلب الموسمي إلى نشاط تجاري دائم، لكن التحدي يكمن في كيفية المحافظة على هذه الأرباح بعد انتهاء الموسم.

وفي بلدان مثل المغرب ولبنان، أصبحت التجارة الإلكترونية جزءًا من استراتيجيات الشركات الصغيرة التي تستغل مواسم الأعياد لترويج منتجاتها التقليدية، ومع ذلك فإن القدرة على توسيع هذا النمو إلى فترات ما بعد الأعياد لا تزال محدودة، إذ تُشير دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عام 2023 إلى أن 70% من المتاجر الإلكترونية التي تعتمد على الأعياد كمصدر دخل رئيسي تعاني من انخفاض حاد في الإيرادات خلال بقية العام.

التحديات التي تواجه الاقتصاد الموسمي 

على الرغم من الفرص التي تتيحها الأعياد لتعزيز النشاط الاقتصادي، تظل هناك العديد من التحديات التي تعوق تحقيق ازدهار اقتصادي حقيقي من أبرز هذه التحديات هو الموسمية التي تجعل هذه الإيرادات قصيرة الأمد، ما يحدّ من تأثيرها على النمو الكلي، إضافة إلى ذلك فإن المشاريع التي تعتمد بشكل كامل على الأعياد تواجه مشكلات تتعلق بالتمويل والاستدامة، حيث تشير دراسة لمركز "أبحاث الاقتصاد الإسلامي" لعام 2023 إلى أن 65% من هذه المشاريع تواجه صعوبات في الحصول على التمويل، في حين يعاني 45% منها من عدم الاستقرار الموسمي.

لجعل التأثير الاقتصادي للأعياد أكثر استدامة، لا بد من تبني استراتيجيات تدعم التحول من الاقتصاد الموسمي إلى الاقتصاد الدائم. يمكن تحقيق ذلك عبر تعزيز الابتكار وريادة الأعمال، حيث أظهرت دراسة للبنك الدولي أن الاستثمارات في المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تستغل الأعياد كنقطة انطلاق قادرة على تحقيق نمو بنسبة 20% سنويًا إذا ما تم توسيع نطاق عملها ليشمل فترات ما بعد الأعياد.

ففي الإمارات، تم إطلاق "مختبر أعياد المستقبل" الذي يجمع بين التكنولوجيا والتقاليد، ويهدف إلى تطوير منتجات وخدمات جديدة تعتمد على الطلب الموسمي ولكن بآليات تضمن استمرارية النشاط التجاري طوال العام، وهذا النموذج يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح لتحويل النشاط الاقتصادي المرتبط بالأعياد إلى نشاط أكثر استدامة.

تمثل الأعياد مناسبات اجتماعية ذات أبعاد اقتصادية مهمة، حيث تشهد الأسواق انتعاشًا ملحوظًا في بعض القطاعات، إلا أن هذا التأثير يظل مؤقتًا وغير قادر على تحقيق تحول اقتصادي دائم.

ويرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن الأعياد توفر دفعة استهلاكية تدعم قطاعات مثل التجارة والخدمات، لكنها تظل موجة موسمية لا ترقى إلى مستوى الازدهار المستدام الذي يعتمد على نمو القطاعات الإنتاجية والاستثمارات طويلة الأجل، ويوضح أن تأثير الأعياد يختلف من دولة إلى أخرى وفقًا لمستوى التنمية الاقتصادية، حيث تحقق الدول النفطية استفادة أكبر بسبب ارتفاع القدرة الشرائية، بينما لا يشهد المواطنون في الاقتصادات الهشة تحسنًا ملحوظًا في مستوى إنفاقهم خلال هذه المناسبات.

دور المغتربين في تحريك الأسواق

ويتابع الخبير الاقتصادي في تصريحاته لـ"جسور بوست" أنه في الدول التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، يلعب المغتربون دورًا محوريًا في تحفيز الأسواق عبر تحويلاتهم المالية، ما يوفر تدفقًا نقديًا مؤقتًا يعزز القدرة الشرائية للأسر، وفي مصر، مثلًا، يحرص المواطنون على خلق أجواء احتفالية حتى في ظل الضغوط الاقتصادية، مما يرفع معدلات الاستهلاك، حيث يعتمد العديد منهم على العروض الترويجية وخيارات الشراء بالتقسيط.

السياحة الدينية.. إمكانيات غير مستغلة

يشير عبده إلى أن السياحة الدينية تشكل مجالًا يمكن للشباب الاستفادة منه، إلا أن الفرص المتاحة تظل محدودة بسبب تركيز الاحتفالات الدينية على الأنشطة التقليدية مثل صناعة الحلويات وبيع المنتجات الرمزية، ما يقلل من التنوع الاقتصادي، موضحا أنه رغم أن بعض الشباب استغلوا هذه المواسم لإنشاء مشاريع صغيرة، فإن طبيعتها الموسمية تجعل تحقيق استدامة اقتصادية في هذا القطاع أمرًا صعبًا.

وأردف قائلا: مع انتشار التجارة الإلكترونية، باتت منصات البيع عبر الإنترنت وسيلة فعالة للترويج للمنتجات خلال الأعياد، ما ساعد الشركات الصغيرة على الوصول إلى شرائح جديدة من المستهلكين، لكن رغم هذا التحول، يبقى قرار الشراء مرتبطًا بعوامل اقتصادية أوسع، مثل مستويات الدخل والتضخم، مما يجعل تأثير التجارة الرقمية تكميليًا وليس حلاً مستدامًا لإنعاش الاقتصاد.

بين فرص العمل المؤقتة واستدامة الدخل

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي إيهاب دسوقي لـ"جسور بوست" إن الأعياد تخلق فرص عمل مؤقتة في قطاعات مثل التجزئة وخدمات التوصيل، لكنها لا توفر حلولًا دائمة لمشكلة البطالة، إذ تظل هذه الوظائف مرتبطة بالموسم الاحتفالي وتنتهي بانتهائه، كما تواجه المشاريع الموسمية صعوبة في الحصول على تمويل بسبب غياب استراتيجيات تضمن استدامتها بعد انتهاء الموسم.

لتعظيم الفوائد الاقتصادية للأعياد، يرى الخبراء أن الحل يكمن في تبني سياسات تعزز الابتكار ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الرقمية لضمان استمرارية العوائد الاقتصادية على مدار العام، فالأعياد قد تكون محفزًا اقتصاديًا، لكنها ليست بديلاً عن استراتيجية تنموية متكاملة تضمن نموًا اقتصاديًا مستدامًا يتجاوز حدود المواسم المؤقتة.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية